أحمد بن محمد المقري التلمساني

14

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

يسمّى أحدهما عبد القاهر كريزي النسب وصفاها وذكرا « 1 » أسواقها ومحالها وشوارعها ، ولا أعلم في أخبار الكوفة غير كتاب عمر بن شبة ، وأمّا الجبال وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والسّند « 2 » وأرمينية وأذربيجان وتلك الممالك الكثيرة الضخمة فلا أعلم في شيء منها تأليفا قصد به أخبار ملوك تلك النواحي ، وعلمائها وشعرائها وأطبائها ، ولقد تاقت النفوس « 3 » إلى أن يتّصل بها تأليف في أخبار فقهاء بغداد ، وما علمناه علم ، على أنهم العلية الرؤساء ، والأكابر العظماء ، ولو كان في شيء من ذلك تأليف لكان الحكم في الأغلب أن يبلغنا كما بلغ سائر تآليفهم ، وكما بلغنا كتاب حمزة بن الحسن الأصبهاني في أخبار أصبهان ، وكتاب الموصلي وغيره في أخبار مصر ، وكما بلغنا سائر تآليفهم « 4 » في أنحاء العلوم ، وقد بلغنا تأليف القاضي أبي العباس محمد بن عبدون القيرواني في الشروط ، واعتراضه على الشافعي رحمه اللّه تعالى ، وكذلك بلغنا ردّ القاضي أحمد بن طالب التميمي على أبي حنيفة وتشيعه « 5 » على الشافعي ، وكتب ابن عبدوس « 6 » ومحمد بن سحنون وغير ذلك من خوامل تآليفهم « 7 » دون مشهورها . وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر « أزهد الناس في عالم أهله » ، وقرأت في الإنجيل أنّ عيسى ، عليه السلام قال : « لا يفقد النبيّ حرمته إلّا في بلده » وقد تيقنّا ذلك بما لقي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، من قريش - وهم أوفر الناس أحلاما ، وأصحّهم عقولا ، وأشدّهم تثبّتا ، مع ما خصّوا به من سكناهم أفضل البقاع ، وتغذيتهم بأكرم المياه - حتى خصّ اللّه تعالى الأوس والخزرج « 8 » بالفضيلة التي أبانهم « 9 » بها عن جميع الناس ، واللّه يؤتي فضله من يشاء ؛ ولا سيما أندلسنا فإنها خصّت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم الماهر منهم ، واستقلالهم

--> ( 1 ) في ب : « في صفاتها وذكر أسواقها ومحالها وشوارعها » وفي ه « في وصفها وذكر أسواقها ومحالها . . » وقد أثبتنا مما في أ . ( 2 ) في ب : « وسجستان والري والسند . . » . ( 3 ) تاقت النفوس : اشتاقت . ( 4 ) في ب : « تواليفهم » . ( 5 ) الصواب أنه عبد اللّه بن أحمد بن طالب . انظر علماء إفريقية : 257 ، 297 . ( 6 ) انظر علماء إفريقية : 182 . ( 7 ) كذا في أ ، ب . وفي ه « حواصل تأليفهم » . ( 8 ) الأوس والخزرج : أهم أهل المدينة المنورة الذين هاجر إليهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكان لهم شرف إيوائه ونصرته ودعوا بعدئذ الأنصار . ( 9 ) أبانهم : أي ميزهم وأظهرهم .